لم تكن الفاتورة التي دفعها الرئيس السوري أحمد الشرع ببطاقة «فيزا» في أحد مطاعم دمشق القديمة، في أغسطس الماضي، مجرد عملية شراء عادية. فقد شارك الشرع بذلك في أول اختبار حيّ لبطاقة دولية داخل سوريا، بالتزامن مع تنفيذ «ماستركارد» أول معاملة دولية متكاملة في البلاد. وبعد سنوات كان فيها الاقتصاد السوري يعتمد على النقد والحوالات غير الرسمية، حمل المشهد رسالة واضحة: سوريا تحاول العودة إلى النظام المالي العالمي.
لكن البطاقة المصرفية، مهما بلغت رمزيتها، لا تختصر طريق التعافي. فقد ألغت الولايات المتحدة في يونيو 2025 برنامج العقوبات الشاملة، مع إبقاء القيود المستهدفة ضد رموز النظام السابق والمتورطين في الإرهاب والاتجار بالمخدرات وزعزعة الاستقرار. كما رفع الاتحاد الأوروبي عقوباته الاقتصادية، باستثناء التدابير المرتبطة بالأمن وبعض العقوبات الفردية. بذلك أُزيل واحد من أكبر العوائق الخارجية أمام الاقتصاد السوري، لكن إزالة العائق لا تعني أن الطريق أصبح صالحًا للسير.
حين تستعيد الأموال طريقها إلى سوريا
الأثر الأسرع للانفتاح المالي سيظهر في التجارة. طوال سنوات، اضطر المستورد السوري إلى التعامل مع وسطاء وشركات واجهة، ودفع عمولات مرتفعة، وتحمل أخطار التحويل والنقل والتأخير. أما استعادة العلاقات مع المصارف المراسلة، فتتيح تمويل التجارة بخطابات الاعتماد والضمانات المصرفية، وتخفض تكلفة استيراد الآلات والمواد الأولية والأدوية وقطع الغيار. وهي لا تساعد المستورد فقط؛ إذ يمكنها أيضًا إعادة الصادرات الزراعية والصناعية السورية إلى أسواقها الطبيعية، ضمن قنوات نظامية تضمن الدفع والتأمين والشحن.
ويمكن أن يكون الأثر أكثر وضوحًا في التحويلات المالية. فملايين السوريين في الخارج يرسلون الأموال إلى أسرهم عبر شبكات غير رسمية، لأن القنوات المصرفية كانت مغلقة أو مكلفة أو محفوفة بالمخاطر. عودة التحويلات الرسمية تعني عمولات أقل، ووصولًا أسرع وأكثر أمانًا إلى الأموال، وزيادة تدفقات العملات الأجنبية عبر النظام المصرفي بدل بقائها في السوق الموازية. لكنها تتطلب سعر صرف واقعيًا وإجراءات بسيطة وضمانًا بعدم اقتطاع أموال المتلقين أو إجبارهم على تحويلها بسعر مصطنع؛ وإلا سيظل المواطن يفضّل الحوالة غير الرسمية، مهما اتسعت أبواب المصارف.
أما الاستثمار، فهو الاختبار الأصعب. فتكلفة إعادة إعمار ما دمرته الحرب تُقدّر بنحو 216 مليار دولار، وفق البنك الدولي، وهو رقم يتجاوز قدرة الدولة السورية والمساعدات الخارجية التقليدية. وقد سمحت تسوية المتأخرات السورية للبنك الدولي، والبالغة نحو 15.5 مليون دولار، باستئناف التمويل؛ فبدأ بمنحة قدرها 146 مليون دولار للكهرباء، ثم توسع التعاون ليشمل المياه والصحة وتحديث القطاع المالي. وهذه خطوات مهمة، لأنها تنقل العلاقة مع المؤسسات الدولية من الإغاثة المؤقتة إلى تمويل البنية الأساسية وبناء المؤسسات.
غير أن سوريا لا تحتاج إلى تدفق الأموال فحسب، بل إلى تحديد وجهتها. فالاستثمار الذي يتركز في العقارات الفاخرة ومراكز التسوق واستيراد السلع الاستهلاكية قد يرفع أسعار الأراضي ويثري قلة من الوسطاء، لكنه لن يعيد تشغيل الاقتصاد. الأولوية ينبغي أن تكون للكهرباء والمياه والنقل والاتصالات والزراعة والصناعة والإسكان المتوسط، وللمشروعات التي توظف السوريين وتنقل المعرفة وتربط الشركات المحلية بسلاسل التوريد. إعادة الإعمار ليست مسابقة لإقامة الأبراج، بل فرصة لإعادة بناء القدرة الإنتاجية للبلاد.
الانفتاح يبدأ من الخارج… والتعافي من الداخل
المشكلة أن المصارف الدولية لا تعود بقرار سياسي بالسرعة نفسها التي تغادر بها. فسنوات العقوبات والحرب أضعفت المصارف السورية، وقوضت الثقة في ميزانياتها، وأبقت جانبًا كبيرًا من النشاط الاقتصادي خارج النظام الرسمي. ولا تزال البنية المالية شديدة الاعتماد على النقد، فيما تعاني أنظمة الدفع والرقابة والتدقيق من التقادم. لذلك أقر البنك الدولي في أغسطس 2026 منحة بقيمة مئة مليون دولار لتحديث القطاع المالي، تشمل البنية الرقمية والأمن السيبراني ومراجعة جودة أصول المصارف وتعزيز الرقابة ومكافحة غسل الأموال.
وهنا تظهر مسؤولية الحكومة السورية. فإذا أرادت استعادة ثقة المصارف والمستثمرين، فعليها إصدار قوانين مصرفية حديثة، ومنح المصرف المركزي استقلالًا فعليًا، وإخضاع المصارف العامة والخاصة لتقييم شفاف، وتطبيق قواعد صارمة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وقد شدد صندوق النقد الدولي على هذه الأولويات، محذرًا من أن الجهاز المصرفي لا يزال شديد الاختلال، وأن ضعف البيانات والرقابة يعرقل السياسة النقدية والاندماج المالي.
لكن الإصلاح المالي وحده لا يكفي. فالمستثمر لا يسأل فقط إن كان قادرًا على تحويل أمواله، بل إن كان يستطيع حماية ملكيته، وإنفاذ عقده، واللجوء إلى قضاء مستقل، والحصول على ترخيص من دون رشوة أو شريك مفروض. لذلك يجب نشر العقود الحكومية، وإخضاع مشروعات الإعمار لمناقصات تنافسية، وإنشاء سجل واضح للملكية، ومنع استخدام إعادة الإعمار للاستيلاء على أملاك المهجرين. ومن دون ذلك، قد تتحول الأموال الجديدة إلى نسخة أخرى من اقتصاد الامتيازات الذي ساهم في إضعاف الدولة قبل الحرب.
تجارب الدول الأخرى تؤكد أن الانفتاح الخارجي ينجح عندما يرافقه إصلاح داخلي. فقد استفادت فيتنام من إنهاء العزلة الأميركية لأنها ربطته بإصلاحات اقتصادية وتسهيل الاستثمار وتشجيع الصادرات، فتحولت من اقتصاد مغلق إلى مركز صناعي وتجاري. كما ساعدت رقمنة الخدمات والمشتريات الحكومية في جورجيا على تقليص الفساد وتبسيط تأسيس الشركات. والدرس لسوريا واضح: لا قيمة لفتح الحدود المالية إذا ظلت الإدارة مغلقة، ولا جدوى من جذب المستثمرين إذا بقيت القواعد غامضة ومتغيرة.
لقد استعادت سوريا حقها في التعامل مع العالم، لكنها لم تستعد بعد ثقة العالم باقتصادها. رفع العقوبات يستطيع خفض تكلفة التجارة، وتسهيل التحويلات، وجذب رؤوس الأموال، وتمويل الإعمار؛ لكنه قد يؤدي أيضًا إلى موجة من المضاربات والصفقات الغامضة إذا لم تحكمه مؤسسات شفافة. لقد فُتح الباب الذي ظل مغلقًا سنوات، غير أن التعافي لن يعبره بقرار سياسي وحده. سيبدأ حين يثق السوري بإيداع ماله في مصرف بلاده، ويثق المستثمر بعقده، ويثق المانح بأن أمواله ستصل إلى مشروع عام لا إلى حساب خاص. عندها فقط تصبح العودة إلى النظام المالي الدولي عودةً إلى الاقتصاد المنتج، لا مجرد عودة إلى شبكة المدفوعات.