الخصخصة العربية: من بيع الأصول العامة إلى صناعة الأوليغارشية

بقلم

لم تكن الخصخصة، كما عرفها كثير من المواطنين العرب، قصة مصانع متعثرة تحولت إلى شركات ناجحة، ولا خدمات عامة تحسنت بفضل المنافسة. كانت في حالات كثيرة قصة أصول بيعت بأقل من قيمتها، وأراضٍ انتقلت إلى رجال أعمال مقربين، وتراخيص حُجبت عن المنافسين، واحتكارات عامة استُبدلت باحتكارات خاصة. تغير اسم المالك، لكن السوق بقيت مغلقة، بينما ظهرت طبقة محدودة تجمع بين الثروة والنفوذ السياسي: الأوليغارشية.

تقوم الخصخصة نظريًا على معالجة أوجه القصور في الملكية العامة. فالمؤسسة الحكومية قد تخضع للتوظيف السياسي، وتتلقى الدعم رغم خسائرها، وتفتقر إدارتها إلى الحوافز التي تدفعها إلى خفض التكاليف وتحسين الإنتاج. أما المالك الخاص فيتحمل نتائج قراراته، ولذلك يُفترض أن يكون أكثر حرصًا على الكفاءة والابتكار. غير أن الملكية الخاصة لا تحقق هذه النتائج تلقائيًا؛ فهي تحتاج إلى منافسة مفتوحة، وقضاء مستقل، وهيئات تنظيمية فعالة، وقواعد تمنع الاحتكار وتكفل المساواة أمام القانون.

وهذه هي الحلقة التي غابت عن موجات الخصخصة العربية منذ ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. فقد لجأت حكومات عديدة إلى بيع المؤسسات العامة تحت ضغط العجز والمديونية وتراجع كفاءتها، لكنها تعاملت مع الخصخصة باعتبارها وسيلة لتحصيل الإيرادات، لا جزءًا من إصلاح أوسع لبناء اقتصاد تنافسي. فبيعت الأصول، بينما ظلت الأرض والتمويل والتراخيص والصفقات الحكومية خاضعة لتقدير السلطة. وبذلك لم تنسحب الدولة من الاقتصاد، بل أعادت توزيع امتيازاتها على مجموعة مختارة من المستثمرين.

كانت مصر من أبرز الأمثلة. فقد تسارعت الخصخصة والإصلاحات الاقتصادية خلال العقد الأخير من حكم حسني مبارك، وظهرت طبقة من رجال الأعمال تجمع بين النشاط الاقتصادي والمناصب في الحكومة والحزب الحاكم والبرلمان. وتمكنت شركات مرتبطة سياسيًا من دخول قطاعات العقارات والسياحة والأسمنت والصلب والطاقة والاتصالات، مستفيدة من الأراضي العامة، ودعم الطاقة، والحماية التجارية، والتراخيص الحصرية.

وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن 45 في المئة من الشركات المرتبطة سياسيًا في مصر كانت تعمل في صناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مقابل 8 في المئة فقط من مجموع الشركات، كما كانت الشركات العاملة في القطاعات التي يوجد فيها مستثمرون نافذون أكثر احتمالًا للحصول على أراضٍ من الدولة. ولم تكن أرباح هذه الشركات دليلًا دائمًا على ارتفاع إنتاجيتها، بل ثمرة وصولها التفضيلي إلى الموارد والحماية.

أما تونس في عهد زين العابدين بن علي، فقد قدمت نموذجًا أوضح لما يحدث حين تتحول اللوائح إلى أدوات لتوزيع الريع. فقد أظهرت دراسة للبنك الدولي أن 220 شركة مرتبطة بعائلة الرئيس لم تكن توفر سوى أقل من واحد في المئة من الوظائف، لكنها استحوذت على أكثر من خمس أرباح القطاع الخاص. وتركزت هذه الشركات في قطاعات محمية بقيود على الدخول والاستثمار الأجنبي، مثل النقل والاتصالات والتوزيع والعقارات والخدمات المالية.

ولم تكن الأوليغارشية التونسية تعمل خارج القانون دائمًا، بل كانت تستفيد من قانون صُمم لخدمتها. فحين تدخل عائلة نافذة قطاعًا معينًا، يمكن فرض ترخيص جديد أو تقييد دخول المستثمرين الآخرين إليه. كما قدرت دراسة أخرى أن الشركات المرتبطة بالنظام تهربت بين عامي 2002 و2009 من رسوم جمركية لا تقل عن 1.2 مليار دولار. وهنا لم يعد الفساد مجرد رشوة يدفعها رجل الأعمال إلى المسؤول، بل أصبح قدرة النافذين على تشكيل القواعد نفسها بما يحمي أرباحهم.

تكشف التجربتان عن نمط أوسع في العالم العربي: التحرير الاقتصادي من دون تحرير السوق من النفوذ السياسي. فقد خُففت بعض القيود، وبيعت مؤسسات عامة، وفُتحت قطاعات أمام الاستثمار، لكن فرص الدخول لم تتوزع بالتساوي. استفادت الشركات الكبيرة ذات العلاقات السياسية من الإعفاءات والدعم والائتمان والعقود الحكومية، بينما واجهت المؤسسات الصغيرة والمتوسطة البيروقراطية وصعوبة التمويل والمنافسة غير المتكافئة.

والنتيجة لم تكن قطاعًا خاصًا قويًا، بل «قطاع امتيازات» يعتمد على الدولة بقدر اعتماد المؤسسات العامة عليها. وقد خلص البنك الدولي إلى أن الامتيازات الممنوحة للشركات المرتبطة سياسيًا أضعفت المنافسة والاستثمار وخلق الوظائف في المنطقة. فالمستثمر الذي يربح من الترخيص الحصري أو الأرض الرخيصة لا يحتاج إلى الابتكار، والشركة المحمية لا تجد سببًا لتحسين الجودة أو خفض الأسعار.

لكن فشل هذه التجارب لا يعني أن بقاء المؤسسات تحت ملكية الدولة هو الحل. فالمؤسسات العامة العربية نفسها تعاني في حالات كثيرة ضعف الرقابة والتدخل السياسي والخسائر المتراكمة. وقد تراوحت الخسائر السنوية الإجمالية للمؤسسات العامة في مصر والعراق والمغرب وتونس، وفق دراسة أوردها صندوق النقد الدولي، بين 0.6 و6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. ولذلك فإن الاختيار الحقيقي ليس بين دولة فاشلة ورجل أعمال نافذ، بل بين اقتصاد تحكمه الامتيازات وسوق تحكمها قواعد عامة.

تبدأ الخصخصة الجادة بإصلاح السوق قبل بيع المؤسسة. ينبغي أولًا تحديد القطاعات التي تستوجب بقاء الدولة فيها، والمؤسسات القابلة لإعادة الهيكلة، وتلك التي يمكن بيعها. ثم يجب تقييم الأصول من جهات مستقلة، وإجراء مزادات مفتوحة، ونشر العقود، والكشف عن المستفيدين الحقيقيين، ومنع المسؤولين وأقاربهم من المشاركة المباشرة أو غير المباشرة. وفي القطاعات الاحتكارية، كالماء والكهرباء والنقل، لا بد من إنشاء جهاز تنظيمي مستقل قبل نقل الملكية، لأن بيع الاحتكار لا يخلق المنافسة.

كما ينبغي توجيه عائدات الخصخصة إلى خفض الدين وتمويل البنية التحتية وإعادة تأهيل العمال، بدل استخدامها لتغطية النفقات الجارية. والأهم هو قياس النجاح بعدد المنافسين الجدد، وتحسن الخدمة، وارتفاع الإنتاجية، لا بعدد الشركات المباعة أو حجم الأموال المحصلة.

إن مأساة الخصخصة العربية لم تكن في انتقال الملكية من الدولة إلى الأفراد، بل في انتقالها من المجتمع إلى أصحاب النفوذ. فالخصخصة من دون منافسة لا تنشئ سوقًا، ومن دون شفافية لا تجذب الاستثمار المنتج، ومن دون سيادة القانون لا تصنع رجال أعمال مستقلين، بل أوليغارشية تعيش على أبواب السلطة. وما يحتاج إليه العالم العربي ليس خصخصة الدولة، بل تحرير الاقتصاد من الامتياز؛ لأن الثروة التي تتولد من المنافسة تبني اقتصادًا، أما الثروة التي يمنحها النفوذ فتبني طبقة تحتكر الاقتصاد والدولة معًا.