تونس في العتمة: أزمة مناخ أم فشل في السياسات؟

بقلم

اقتربت درجات الحرارة في تونس من خمسين درجة مئوية. ففي السابع والعشرين من أغسطس، سجّلت القيروان 49.8 درجة، بينما تزامنت موجة الحر مع انقطاعات واسعة للكهرباء واضطرابات في إمدادات المياه وضغوط متزايدة على المستشفيات. وفي بعض المناطق، أدى انقطاع التيار إلى توقف محطات الضخ، فتحولت أزمة الكهرباء إلى أزمة ماء في غضون ساعات.

من السهل النظر إلى هذا المشهد بوصفه كارثة طبيعية فرضها الطقس، لكن موجة الحر لا تروي القصة كاملة. فالحرارة أشعلت الأزمة، غير أن السياسات العامة الرديئة هي التي أعدّت لها الوقود. وحين تنهار الخدمات الأساسية أمام صدمة موسمية كان يمكن توقعها، فإن الخلل لا يكون في المناخ وحده، بل في قدرة الدولة ومؤسساتها على الاستعداد له.

المناخ يفسّر الضغط، لا الانهيار

لا شك أن تونس تواجه خطرًا بيئيًا حقيقيًا. فهي من أكثر بلدان المنطقة شحًّا في المياه، ولا يتجاوز نصيب الفرد فيها نحو 420 مترًا مكعبًا سنويًا، أي أقل بكثير من عتبة الفقر المائي. ومع ارتفاع درجات الحرارة وتراجع انتظام الأمطار واستنزاف المياه الجوفية، ستغدو فصول الصيف القاسية أكثر تهديدًا للمزارع والمدن والاقتصاد. 

لكن ندرة الموارد الطبيعية لا تؤدي حتمًا إلى انقطاعها عن السكان. فالدول لا تتحكم في كمية الأمطار، لكنها تتحكم في صيانة الأنابيب، وإدارة السدود، وتسعير المياه، وحماية المخزون الجوفي، وتنويع مصادر الطاقة. كما أنها تقرر ما إذا كانت ستستثمر قبل وقوع الأزمة أم ستنتظر حتى يصبح توزيع المياه بالشاحنات حلًا اضطراريًا.

وتكشف أرقام شبكة المياه حجم الفجوة بين الندرة الطبيعية وسوء الإدارة. فقد ارتفعت نسبة المياه المفقودة في شبكة الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه من 25 في المائة سنة 2010 إلى 34 في المائة سنة 2021، فيما تتجاوز الخسائر 50 في المائة في بعض الشبكات الريفية. أي إن تونس، وهي بلد يفتقر إلى الماء، تفقد جزءًا هائلًا منه بين مصدره وصنبور المستهلك بسبب التسرب وتقادم الشبكات وضعف الصيانة. 

ولا يمكن فصل هذا الهدر عن الطريقة التي يُدار بها القطاع. فأسعار المياه لا تغطي في حالات كثيرة تكاليف الإنتاج والنقل والصيانة، ما يجعل المؤسسات العمومية تعتمد باستمرار على دعم الدولة. قد يبدو إبقاء الأسعار منخفضة سياسة اجتماعية، لكنه يتحول إلى وهم حين تعجز المؤسسة عن إصلاح الأنابيب، وينقطع الماء، ويضطر المواطن إلى شراء القوارير أو تركيب خزان ومضخة. عندئذ يدفع الفقير ثمنًا أعلى، لا في الفاتورة الرسمية، بل في الوقت الضائع والمياه المعبأة والخدمة المتردية.

السعر الذي لا يسمح بصيانة الخدمة ليس حماية اجتماعية مستدامة؛ إنه فاتورة مؤجلة تظهر لاحقًا في صورة أعطال وانقطاعات. والإصلاح لا يقتضي رفع الأسعار على الجميع بلا تمييز، بل ضمان حصة أساسية بسعر ميسر لكل أسرة، ثم فرض تعرفة أعلى على الاستهلاك الكبير، مع تقديم دعم نقدي مباشر إلى الأسر الفقيرة. وبهذا تُحمى الحاجات الأساسية من دون تشجيع الهدر أو تقديم دعم أكبر لمن يستهلكون أكثر.

حين يصبح الاحتكار بديلًا عن الكفاءة

تتكرر المعضلة نفسها في قطاع الكهرباء. فقد ارتفع الطلب خلال موجة الحر بأكثر من 30 في المائة عن مستواه المعتاد، واضطرت الشركة التونسية للكهرباء والغاز إلى تطبيق انقطاعات دورية تفاديًا لانهيار الشبكة بالكامل. لكن الشبكة لم تصل إلى حافة العجز في يوم واحد؛ فقد تراكمت مشكلاتها بفعل تأخر الاستثمار، وارتفاع المديونية، والاعتماد الكبير على الغاز، وبطء الانتقال إلى الطاقة الشمسية والريحية.

المشكلة ليست في كون الشركة مملوكة للدولة فحسب، بل في جمعها أدوارًا متعارضة داخل قطاع مغلق نسبيًا أمام المنافسة: فهي المشغّل الرئيس للشبكة، والمشتري المركزي للكهرباء، والطرف الذي يعتمد عليه المستثمرون في تحصيل مستحقاتهم. وعندما تضعف أوضاعها المالية، يتعطل معها الاستثمار في القطاع كله. وهكذا تصبح الطاقة المتجددة، على الرغم من وفرة الشمس والرياح، وعدًا يتكرر في الخطط أكثر مما يتحول إلى قدرة إنتاجية فعلية.

تونس لا تحتاج إلى استبدال احتكار عمومي باحتكارات خاصة، بل إلى سوق منظمة تسمح باستثمارات متعددة، ومناقصات تنافسية وشفافة، وإنتاج لامركزي فوق أسطح المنازل والمصانع، وهيئة تنظيمية مستقلة تفصل بين وضع القواعد وتشغيل الشبكة. وقد قدّر برنامج أقره البنك الدولي سنة 2025 أن تعبئة 2.8 مليار دولار من الاستثمارات الخاصة لإضافة 2.8 غيغاواط من الطاقة الشمسية والريحية يمكن أن تخفض تكلفة إمدادات الكهرباء بنحو 23 في المائة. 

ولا تقف كلفة الانقطاع عند حدود المنازل. ففي بعض المناطق السياحية، توقفت المطاعم ومصانع الثلج، وألغى زوار حجوزاتهم، وتضررت أجهزة كهربائية لم تستطع المنشآت الصغيرة تحمل كلفة إصلاحها. وفي بلد يوفر فيه القطاع السياحي نحو 400 ألف وظيفة ويسهم مباشرة بنحو 5.1 في المائة من الناتج المحلي، تصبح كل ساعة انقطاع ضريبة خفية على العمل والاستثمار والدخل.

أما البحث عن المضاربين والمتآمرين، فقد يمنح السلطات تفسيرًا سياسيًا مريحًا، لكنه لا يصلح شبكة كهرباء ولا يعيد الماء إلى الصنابير. فالحوكمة الرشيدة تبدأ بالاعتراف بالخلل، ونشر بيانات واضحة عن الإنتاج والاستهلاك والانقطاعات، وتحديد المسؤوليات، ومحاسبة المؤسسات على نتائج قابلة للقياس.

ومع ذلك، لا تفتقر تونس إلى الحلول بقدر ما تفتقر إلى سرعة تنفيذها. ففي قطاع المياه، ينبغي الجمع بين إصلاح الشبكات، وكشف التسربات، واعتماد تعرفة تصاعدية تحمي الاستهلاك الأساسي وتحدّ من الهدر، إلى جانب توسيع استخدام المياه المعالجة في الزراعة. وقد نجح إقليم مرسية الإسباني، الذي يواجه بدوره مناخًا جافًا وندرة في الموارد المائية، في إعادة استخدام نحو 98 في المائة من مياهه المعالجة، حتى أصبحت تغطي قرابة 11 في المائة من احتياجاته السنوية للري. وتبرهن هذه التجربة على أن المياه المستعملة يمكن أن تتحول من عبء بيئي إلى مورد اقتصادي، متى توافرت البنية التحتية المناسبة والحوافز الصحيحة.

أما في قطاع الكهرباء، فتحتاج تونس إلى تسريع الاستثمار في الطاقة الشمسية والريحية من خلال مناقصات تنافسية وشفافة، وفتح المجال أمام المنتجين المستقلين، وتشجيع المنازل والمصانع على إنتاج الكهرباء وبيع فائضها للشبكة. وتقدم الأردن مثالًا قريبًا؛ فبفضل الإصلاحات التنظيمية والاستثمارات الخاصة والشراكات بين القطاعين العام والخاص، ارتفعت حصة الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء لديها من أقل من واحد في المائة عام 2014 إلى 27 في المائة عام 2023. ولا يتطلب النجاح استنساخ التجربة الأردنية حرفيًا، بل الاستفادة من درسها الأساسي: حين تكون القواعد واضحة، والمنافسة ممكنة، والاستثمار الخاص موضع ترحيب، تستطيع دولة محدودة الموارد تنويع مصادر طاقتها وتعزيز أمنها الكهربائي خلال سنوات قليلة.

لقد أثبت هذا الصيف أن تغيّر المناخ يختبر قدرة الدول على مواجهة الأزمات أكثر مما يصنعها منفردًا. فعندما تتقادم الشبكات ويتأخر الإصلاح، تتحول موجة الحر إلى أزمة اقتصادية واجتماعية. ومع ذلك، يمكن للشمس التي تضغط اليوم على شبكة الكهرباء أن تصبح جزءًا من الحل، عبر الاستثمار في الطاقة المتجددة وإصلاح المؤسسات وتحسين إدارة الموارد. موجة الحر تحدٍّ طبيعي، أما تحوّلها إلى أزمة تمسّ حياة المواطنين واقتصاد البلاد، فهو نتيجة سياسات يمكن إصلاحها.